تفاصيل الاستشارة
التصنيف موضوعات أخرى
الموضوع حكم التبرع بالرحم
الاستشارة هل يحق للمسلمة أن تتبرع برحمها لتنتفع
به من تحتاج إليه؟
المستشار
أ .د محمد رأفت عثمان
الاجابة

يتكون الجهاز التناسلي للمرأة من
قسمين:
1- جهاز تناسلي داخلي.
2- جهاز تناسلي خارجي
ويحتوي الجهاز التناسلي الداخلي على الرحم، وأنبوبتي
فالوب، والمبيض. أما الرحم فهو الوعاء الذي ينمو الجنين في
داخله. وأما الأنبوبة فهي جزء دقيق يبلغ طوله حوالي عشرة
سنتمترات، وبه قناة دقيقة مهمتها أن تقوم بتلقي البيضة من
المبيض بواسطة فوهة الأنبوبة، ويلتقي بها الحيوان المنوي
داخل هذه القناة، فيتم الإخصاب بتوصيل البيضة الملقحة
بالحيوان المنوي إلى فجوة الرحم، فتلصق في جدار الرحم،
ويبدأ الجنين في النمو.

والمبيض في المرأة هو عضو التأنيث المقابل للخصية عند
الرجل، ويقوم المبيض بمهمتين: إحداهما بوصفة غدة تفرز
الهرمونات الأنثوية، التي تعد من ضروريات إبراز أنوثة
المرأة. والمهمة الثانية هي إنتاج البيضات ابتداء من سن
البلوغ حتى سن اليأس، فإذا التقى بها الحيوان المنوي من
الرجل تم الحمل.

والمبيضات تحمل الصفات الوراثية للمرأة صاحبة البيضة، وهذه
الصفات تختلف من امرأة إلى أخرى، فالبيضة تحتوي على 23
صبغًا، وهي نصف عدد الصبغيات الموجودة في أي خلية من خلايا
جسم الأم والأب. وهذه الصبغيات تحمل العوامل الوراثية التي
ورثتها الأنثى من أمها وأبيها.

فلو تم نقل المبيض من أنثى إلى أنثى أخرى فإنه يتم نقله
بما يحويه من بيضات تحمل الصفات الوراثية التي ورثتها
الأنثى المنقول منها المبيض من والديها إلى الأنثى الأخرى
التي تم نقل المبيض إليها وينتج عن هذا أن المرأة التي أخذ
مبيضها ستقوم بتوريث صفاتها الوراثية للجنين في رحم المرأة
الأخرى، وكأن هذا العمل هو نقل لبيضة من امرأة إلى أخرى،
وخصبت هذه البيضة المنقولة إلى المرأة الثانية بحيوان منوي
من زوج هذه الثانية، وهو ما يؤدي إلى اختلاط الأنساب.

ويجئ السؤال هنا هو : إذا كانت الرحم كأي عضو آخر لا يحمل
الصفات الوراثية فهل يجوز التبرع بها لأنها لا تؤدي إلى
اختلاط الأنساب؟

لا نشك في أن الإنسان لا يجوز له أن يتبرع بعضو منفرد في
جسمه من أعضائه الداخلية كالقلب، والكبد، والبنكرياس، لأنه
سيؤدي إلى الإضرار بنفسه، والضرر ممنوع بنصوص الشرع في
الكتاب الكريم، والسنة النبوية الشريفة، ومع أن المتبرع
سيزيل الضرر بتبرعه عن غيره، فإن هذا ممنوع لأن القاعدة
المستقرة في علوم الشريعة وقواعدها الفقهية أن الضرر لا
يزال بالضرر.

هذا من ناحية تبرع الإنسان بعضو وحيد في جسمه من أعضائه
الداخلية، وكذلك نوافق الدكتور يوسف القرضاوي فيما يراه من
أنه لا يجوز التبرع بأحد أعضاء الجسم الظاهرة، كالعين،
واليد، والرجل لأمرين:
أحدهما: أنه يزيل الضرر عن الغير بالإضرار بنفسه، وهو
ممنوع.
والثاني: أن تبرعه يؤدي إلى تشويه صورته، والتشويه أيضا لا
يجوز ولو لمصلحة الغير.
والرحم بوصفها عضوًا وحيدًا عند المرأة ينطبق عليه حكم
التبرع بالعضو المنفرد في الجسم، أي أنه ممنوع شرعًا.

وبجانب ما ذكرناه فإن مما يؤكد حرمة ذلك أن العلماء أجمعوا
على عدم جواز الجب – وهو قطع علامة الذكورة- وأجمعوا على
منع الخصاء- وهو قطع الخصيتين- من الرجل، نقل هذا الإجماع
الإمام المحدث الفقيه الصنعاني، ثم قال: “فيلحق بذلك ما في
معناه”.

ومن الواضح أن نقل الرحم من امرأة حية إلى أخرى هو عند
المرأة في معنى الجب، والخصاء عند الرجل. وكذلك مما يؤكد
حرمة التبرع بالرحم من امرأة حية إلى أخرى أن العلماء
بينوا أن الإنسان لا يجوز له أن يرضي بأمر فيه ضرر له،
وعللوا هذا بأنه قد يرضى بهذا، ثم يتغير قلبه فيندم على ما
اتخذ من قرار؛ والندم هو نوع من الضرر النفسي، والضرر
مطلقًا ممنوع سواء أكان عضويًا أم نفسياً.

هذا إذا كانت المتبرعة على قيد الحياة، وتبرعت بنقل رحمها
حال حياتها، وأما إذا كان تبرعها سينفذ بعد وفاتها، أي
أخذت شكل الوصية، فبناء على ما بينته البحوث الطبية من أن
الرحم لا تحمل الصفات الوراثية للمرأة المتبرعة فأرى جواز
التبرع بالرحم، على فرض أن الطب استطاع أن يتوصل إلى إمكان
الاستفادة من أعضاء الشخص الذي مات فعلاً، لا موت جذع
المخ.

ومن المعلوم أن العلم إلى الآن لم يتوصل إلى الاستفادة من
أعضاء الشخص الذي مات الموت المعروف لنا جميعًا، إلا في
بعض أعضاء قليلة، مثل قرنية العين، والجلد، وبعض العظام،
وبعض عضلات القلب. فيجوز نقل الرحم من المتوفاة وفاة
حقيقية إلى امرأة أخرى تحتاج إلى هذه الرحم، لأن الإنجاب
غريزة في الإنسان سواء كان رجلاً أم امرأة، ولو لم نقل أن
النقل لأمر ضروري فإنه بلا شك يعد الإنجاب حاجة من الحاجات
المهمة في حياة كل من الرجل والمرأة، فالحاجة إذا عمت تنزل
منزلة الضرورة.

والقول بعدم جواز التبرع بأعضاء الإنسان المتوفى بحجة أن
جسم الإنسان لا يملكه صاحبه، وإنما المالك له هو الله عز
وجل، قول لا نسلمه فإنه مع التسليم بأن كل ما في الكون بما
فيه جسم الإنسان ملك لله عز وجل، فإن هذا ليس مانعًا من أن
يتصرف الإنسان في جسمه بما يحقق المصلحة له أو لغيره في
نطاق قواعد عامة، كما هو الحال بالنسبة للمال، فإن الأموال
أيضا هي ملك لله تعالى، ونحن مستخلفون فيها، قال تعالى:
“وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه” وقال تعالى: “وآتوهم من
مال الله الذي آتاكم” ولكن مع هذا فإن الله عز وجل أباح
لنا أن نتصرف في الأموال بوصفها أموالنا، وأضافها إلينا،
قال الله تعالى: “إنما أموالكم وأولادكم فتنة” لكن التصرف
مضبوط بقواعد عامة لا يجوز لنا أن نتعداها.

فما المانع شرعًا من التصرف في أعضاء الجسم بعد الوفاة بما
يحقق مصلحة قد تكون ضرورية أو حاجية تصل إلى مرتبة
الضرورية لإنسان حي، ما الذي يؤذي المتوفي أو ما الذي
يخسره؟ بل قد يكون له الأمل في المثوبة إذا تبرع بعضو يؤدي
إلى حياة إنسان يحتاج إليه.

إن المتبرع بجزء من جسمه بعد وفاته – إذا أمكن ذلك
مستقبلاً يحقق النفع على سبيل القطع للمتبرع له أو المتبرع
لها، ولن يضار المتبرع بشيء. فلو تبرعت إحدى النساء برحمها
– بعد وفاتها- فإني لا أرى في ذلك محظوراً ما دامت الرحم –
كما بين المختصون – لا تحمل الصفات الوراثية للمرأة
المتبرعة. وأما التبرع بنقل رحم امرأة حية إلى غيرها فلا
يجوز لما بينا من أدلة، والله الموفق والهادي إلى سواء
السبيل.

 

 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pinterest
Share on reddit
Share on vk
Share on tumblr
Share on mix
Share on pocket
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on email

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *