أ. د. سالم بن أحمد سحاب

قبل أيام قليلة اعترف أحد الأطباء النرويجيين الباحثين في مجال
بحوث سرطان الفم بأنه قام بتزوير مجموعة من البيانات لإثبات معلومة
خاطئة. ويُقال بأن البحث الذي أنفق عليه قرابة 10 ملايين دولار
بتمويل من المعهد الوطني للسرطان تم بمشاركة خمسة باحثين أمريكيين
من جهات مرموقة في هيوستون ونيويورك. البحث تم نشره في مجلة لانست
الطبية البريطانية الشهيرة، وتم كشف الحقيقة المخجلة في المجلة
نفسها.

وربما لم ينس كثير منا بأن فضيحة كبرى أخرى حدثت قبل فترة قليلة في
كوريا الجنوبية عندما أعلن أشهر علمائها في مجال بحوث الخلايا
الجذعية أن سيادته قام بتزوير مماثل ليثبت للعالم كشفا ليس له من
الحقيقة نصيب.

قد تبدو هذه الحوادث نادرة وقليلة، ولكنها للأسف الشديد تفسد الشيء
الكثير إذ أنها تهز مصداقية البحث العلمي بدرجة كبيرة، وهي قبل ذلك
تدل على فساد في الضمير وغياب للأخلاق وتدهور في القيم.

وفي البحث العلمي التجريبي – كالذي يتم في الطب أو العلوم
التجريبية الأساسية- تحديدا يصعب كشف الأكاذيب الكبرى ما لم يتصد
لها باحثون كبار يتوفر لهم الوقت والإمكانات، خاصة عندما يتعلق
الأمر بالدواء أو الغذاء.

ولكن ما الذي يدعو إلى هذا العبث البحثي، أو ما يسميه البعض
”العهر العلمي”؟. الأسباب متعددة. ولعل منها على سبيل حب الشهرة
كالذي دفع بالعالم الكوري الذي أراد الانتقال من مستوى الوطني إلى
العالمي. ومن الأسباب حب المال الذي يموّل البحث كما هو الحال مع
صديقنا النرويجي. ومنها الرغبة في الفوز بدرجة علمية أعلى مثل
الدكتوراة، أو مراتب الجامعة العلمية (أستاذ مشارك، أستاذ). بعض من
هؤلاء يعبثون بالبيانات، وآخرون يسرقون البحوث بالكامل مع بذل جهد
واضح في تغييرات شكلية تافهة. وقد ساهمت تقنية الانترنت في تسارع
وتيرة هذه السرقات المهولة التي أحسب ان خطورتها تتجاوز سرقة المال
والممتلكات أضعافا مضاعفة.

ولا أحسب أن عالمنا العربي بريء من هذه المهازل المؤسفة. بل قد وصل
الحال في بعض المكتبات الجامعية العربية إلى منع استعارة رسالة
علمية أو مادة بحثية والاكتفاء بالاطلاع عليها داخل المكتبة خوفا
من ”اللطش” والفبركة.

أما خط الدفاع الأول فيظل الباحث نفسه. ضميره هو الضابط الأقوى،
وأخلاقياته هي المصدر الأساس للثقة، فإن اهتزت، فقد خسر كثيرا،
وخسر معه المجتمع كثيرا.

هؤلاء المحتالون موجودون في كل مكان ولكن تزايدهم في أي مجتمع ينذر
بكارثة أو كوارث كبرى لا بد من التصدي لها بشدة ودون رحمة ولا
شفقة.

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pinterest
Share on reddit
Share on vk
Share on tumblr
Share on mix
Share on pocket
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on email

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *