ورشة عمل بجامعة الأزهر حول العقم

عُقد بالمركز الدولي الإسلامي للدراسات
والبحوث السكانية بجامعة الأزهر بالتعاون مع المنظمة الإسلامية
للتربية والعلوم والثقافة (الأيسيسكو) ورشة عمل، شارك فيها عدد من
الفقهاء وأساتذة أمراض النساء والتوليد من بلاد إسلامية مختلفة هي:
المغرب، والبحرين، وقطر، والسعودية، وباكستان، ومصر، إلى جانب
خبراء من إنجلترا وفرنسا وكندا في مجال الأخلاقيات الطبية والعقم.

وفي رأي الدكتور أحمد عمر هاشم – رئيس جامعة الأزهر – أن العقم
نوعان:

أحدهما قابل للعلاج، ويجب على المسلم والمسلمة البحث عن علاجه؛ لأن
ذلك يدخل في إطار ما شرعه الإسلام من دعوة للتداوي، وهو ما ينبغي
أن يتم في إطار القيم الإسلامية بحيث لا يخرج عن هذا النطاق؛ فلا
يكون الماء إلا من الزوج ولا تكون البويضة إلا من الزوجة نفسها،
وفي نطاق الاحتياطات التي لا تؤدي لاختلاط الأنساب.

والنوع الثاني من العقم: هو الذي يقرر الأطباء أنه لا علاج له،
وعلى المصاب به أن يرضى بقدر الله تعالى، وأن يوقن أن الخير كله في
الرضا بقضاء الله والتمسك بالصبر حتى ينال ثوابه تعالى في الدنيا
والآخرة.

الأمومة الغريزة والمخاطر

وطرحت الورشة إمكانية أن تقوم المرأة – بفضل التقنيات الطبية
الحديثة في مجال التكاثر البشرى – في سنِّ مبكرة بحفظ بعض بويضاتها
المخصبة من الزوج أو الأجنة في المعامل لحين حاجتها إليها فيما
بعد، بعد انقطاع الطمث أو تعرض أولادها لحادث يودي بهم جميعاً،
ويرى الأطباء أن هناك مخاطر كبيرة تهدد حياة الأم كبيرة السن،
والتي تلجأ للحمل بعد سن اليأس؛ طلبًا للإنجاب، إلا أن نسبة وفيّات
الأطفال في هذه الحالة تكون عالية، كما أوضح الدكتور ‘محمد فيّاض’
أستاذ التوليد وأمراض النساء بجامعة عين شمس.

لكن الدكتور ‘محمد رأفت عثمان’ أستاذ الفقه بجامعة الأزهر رد
قائلاً: إن حاجة المرأة للإنجاب غريزة لا ينبغي تجاهلها، وأن مشقة
الحمل ومتاعب تربية الأبناء لا تساوي شيئًا أمام تحقيق حلم المرأة
في أن تكون أمًّا، وحرمان المرأة من إشباع هذه الغريزة تحت دعوى
الخوف عليها من الحمل في السن المتقدمة لا يجوز، خاصة بالنسبة
للنساء اللائي تزوجن في سن متأخرة أو فقدن جميع أولادهن في حادث أو
خلافه، خاصة أن الرعاية الطبية يمكن أن تقلل من مخاطر ذلك الحمل
وتوفر للأم والجنين الأمان المطلوب.

رحم للإيجار

ناقشت الورشة أيضًا ما ظهر في المجتمعات الغربية فيما يُسمى بالأم
البديلة التي تقوم بتأجير رحمها لجنين من بويضة امرأة أخرى، وهناك
من تتبرع بالرحم لامرأة تريد الإنجاب ولديها مشاكل في هذه المجال.
وعن هذه الممارسات يقول الدكتور رأفت عثمان :’إنها لا تجوز، وهي
ممارسات حرام شرعًا’، مشيرًا إلى أن تأجير الأرحام أدى إلى حدوث
خلافات ومنازعات حادة تشهدها محاكم الغرب بين الأم صاحبة الجنين
والأم البديلة.

تحديد جنس الجنين

تحديد جنس الجنين جائز شرعًا باستخدام التقنيات الحديثة – في رأي
الدكتور رأفت عثمان – ولا يعد كما يرى البعض تدخلا في إرادة الله
تعالي؛ لأنه لا يجوز إطلاقًا تصور أنه بإمكان مخلوق التدخل في
إرادة الخالق سبحانه وتعالى، فكل ما يقع في الكون هو بعلم الله
وإرادته، والتعليل بأن الله تعالى هو الذي يهب إناثًا وهو الذي يهب
الذكور ويجعل بعض الناس لا ينجبون لا يصلح أن يكون تعليلاً سليمًا
لمنع التحكم في نوع الجنين، فالمنع من الإنجاب بإرادة الله تعالى،
ولكنه لا يؤدي إلى تحريم اتخاذ الوسائل للإنجاب.

ويناظر ذلك قوله تعالى: ‘قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء
وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك
على كل شيء قدير’ (الآية 26 من سورة آل عمران)، وهذه الآية بينت أن
العز والملك بيد الله، ومع ذلك هل يمكن أن يدّعي إنسان أنه لا يجوز
تعاطي الأسباب المؤدية للعز والملك؟؟ وهذه الآية مثل الآية الأخرى
التي تبين أن الله هو الواهب للإناث والواهب للذكور والمانع من
الإنجاب.

ولذلك لا ينبغي القول بمنع الإنسان من اتخاذ الوسائل للحصول على
الأولاد ذكوراً أو إناثًا، ولا تضاد بين إرادة الله تعالى ووسائل
تحديد جنس المولود؛ فالله سبحانه هو الذي سخّر هذه الأسباب
للإنسان، والفعل في كل حال هو لله سبحانه وتعالى وطبقاً لمشيئته
وإرادته.

مطلوب رقابة وطنية

ومن جانبه طرح الدكتور ‘عمر شاهين’ وكيل نقابة الأطباء المصرية
نموذجًا للقواعد والأخلاقيات التي ينبغي أن تلتزم بها المنشآت
الخاصة بالإخصاب الطبي المساعد، وقواعد اختيار العاملين بتلك
المراكز، وكذلك دعا إلى وجود هيئة رقابة وطنية لضمان التزام تلك
المراكز بالضوابط الأخلاقية المستقاة من الفقه الإسلامي؛ نظراً
لخطورة قضية التدخل الطبي في عمليات الإخصاب البشري.

وأهم تلك الضوابط التي ينبغي أن يتضمنها قانون عمل تلك المراكز:

أنه لا يجوز الانتفاع بوسائل مساعدة الحمل للزوجين منفردين، بل يجب
أن يكون الزوجان معًا.
أن لا ينتفع بتلك الوسائل الرجل أو المرأة اللذان لا يربطهما زواج
شرعي.
كما لا يجوز التصرف إلى الغير بأنواع البيوع أو التبرع بالأجنة أو
الخلايا والجاميتات الذكرية أو الجاميتات المنوية أو الأنثوية.
إلى جانب عدم جواز التدخل بالعلاج التخصيبي قبل انقضاء عامين على
الزواج، إلا في حالات خاصة توافق عليها الهيئة الرقابية المسئولة
عن تلك المراكز.
يُحرم نقل الأجنة إلى أرحام الغير على سبيل الإعارة أو التأجير.

كما لا يجوز التصرف فيما زاد عن حاجة العمل من الأجنة والخلايا
المنوية أو البيضات سواء بالحفظ أو التخلص منها، إلا بموافقة مسبقة
من الزوجين.
أن لا يتم إجراء أي تجارب علمية من أي نوع على الجنين، سواء داخل
الرحم أو خارجه طالما كان حيًّا.
وأن تكون للرقابة سلطات كافية لإلزام العاملين بمراكز الإخصاب
الطبي المساعد بتلك الضوابط.

تقنية تبحث عن ضوابط

وشددت الورشة على عدد من التوصيات منها:

ضرورة وجود لجنة للأخلاقيات للإشراف على مراكز الإخصاب الطبي
المساعد وبنوك البويضات والأجنة والخلايا المنوية، أو التخصيب داخل
الرحم وأطفال الأنابيب وغيرها.

أن لا تُجرى أي تجارب على الإنسان في مجال التكاثر، إلا بعد موافقة
من يتم إجراء التجارب عليهم وتبصيرهم بمخاطر تلك التجارب قبل
إجرائها، وأن تُجرى تلك التجارب أولاً على الحيوان.

أن يتم توفير خدمات الإخصاب الطبي المساعد للفقراء المحتاجين
إليها.

أن يتم إنشاء مراكز لتقديم هذه الخدمات لهؤلاء الفقراء من أموال
الزكاة وإسهامات شركات الأدوية وأهل الخير.

وضع قوانين مشددة تلتزم بها مراكز الإخصاب الطبي المساعد، تكون
مستقاة من أحكام الفقه الإسلامي؛ لمنع اختلاط الأنساب.

التوسع في الاختبارات الكروموسومية على الأجنة والبويضات والخلايا
المنوية قبل إتمام عملية الحمل؛ لحماية الأم والطفل من أي أمراض أو
عيوب محتملة.

ضرورة تدريس مادة الأخلاقيات لطلاب كليات الطب في البلاد
الإسلامية، والمتعلقة بالتكاثر البشري خاصة.

أوصت الورشة بتحويل بعض القضايا ومنها زراعة الرحم وتجميد البويضات
للسيدات الأرامل، والمرأة التي تستخدم خلية منوية لزوجها بعد
وفاته، أو المرأة المطلقة، والاستعانة ببعض الجينات من أشخاص غير
الأبوين في علاج عيوب وراثية في الجنين، إلى مجمع البحوث الإسلامية
في مصر لإبداء الرأي الشرعي حولها.

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pinterest
Share on reddit
Share on vk
Share on tumblr
Share on mix
Share on pocket
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on email

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *