استنساخ الخلايا الجذعية: ضرورة أم افتعال؟

اهتمت وسائل الإعلام الغربية والعربية بخبر
القاء القبض عل العالم سوك من كوريا الجنوبية، بسبب تزوير 
نتائج ابحاثه فى مجال استنساخ الخلايا الجذعية.

وتلى ذلك هجوم كبير من العلماء المتخصصين حيث قال أحدهم “إن هذه
نكسة كبيرة للعلم، ليس فى مجال الطب فقط، ولكن للعلم بصفة عامة”.
وقال باحث فى مجال الاستنساخ من بريطانيا “إن المشكلة الحقيقة هى
تضليل العلم، فعلم الابحاث تراكمى بطبعه، وعندما ينشر أحدهم انه قد
توصل لنتيجة ما فإن الآخرون يبدأون من حيث انتهى هذا الشخص. وفى
حالتى فقد اصابنى ضرر بصفة مباشرة، حيث بدأت بحثا مستندا الى نتائج
العالم الكورى”

محاولات استنساخ البشر

يقول العلماء بأنه في واقع الأمر أن هذه ليست المرة الأولى التي
يتم فيها استنساخ جنين بشري؛ ففي 14 ديسمبر 1998م أعلن فريق من
الأطباء في مستشفى جامعة “كيونجي” في كوريا الجنوبية بقيادة “كيم
بوسنج” قيامهم بالخطوات الأولى في تجربة استنساخ البشر‏، وذلك بأخذ
نواة من إحدى الخلايا المحيطة ببويضة امرأة وحقنها في بويضة من
المرأة نفسها بعد نزع نواتها‏، وقال هؤلاء الأطباء: إن الجنين نما
في الأطباق الزجاجية، وبدأ عملية التفلج حتى وصل إلى طور الأربع
خلايا‏.

وأضاف الأطباء أنهم قاموا بتدمير هذا الجنين في هذه المرحلة دون أن
يزرعوه في رحم امرأة. وقد أدى الإعلان عن هذه التجربة غير المكتملة
إلى التنديد بها وإلى مظاهرات نظمها الاتحاد الكوري لحركة البيئة
للاعتراض على محاولة استنساخ البشر. وكانت شركة أبحاث الخلايا
المتقدم (ACT) والتى استنسخت النعجة دوللى قد أعلنت في العام
الماضى أنها تمكنت من إدماج المادة الوراثية للخلية البشرية مع
بويضة مأخوذة من البقر لتصنيع جنين هجين.

وفي سبتمبر ‏1999‏م نشرت إحدى المجلات الطبية المتخصصة مقالة كتبها
ثلاثة باحثين من ولاية “ماسوشوستس” الأمريكية ذكروا فيها أنهم
تمكنوا من نقل أنوية خلايا جسمية بشرية إلى بويضات منزوعة الأنوية
مأخوذة من الأبقار،‏ وأن الخلايا الناتجة تفلجت أي انقسمت تباعا في
مسارها الطبيعي لتكوين الجنين‏، ثم توقف تفلجها كل في مرحلة
مختلفة‏، وقد وصل عدد الخلايا الناتجة في الجنين الواحد إلى ‏400‏
خلية كحد أقصى‏.

وفي نفس العام استنسخ جنين بشري في الفلبين ونما إلى مرحلة أربع
خلايا، ثم أتلف بعدها لأسباب أخلاقية أيضا. كما توالت الأنباء عن
إرهاصات في هذا الاتجاه تعتبر نذيرا خطيرا‏، فقد قال أحد العلماء
المشاركين في مشروع دولي لاستنساخ أول كائن بشري، الدكتور
بانايوتيس زافوس: “إن الوقت لإنتاج الأجنة البشرية الأولى
بالاستنساخ بات قريبا جدا”. ويحاول هذا الطبيب الإيطالي -الذي يشبه
ممثلي أدوار الشر في الأفلام- والذي كان وما زال موضع جدل منذ
سنوات أن يستنسخ كائناً بشريا في أقرب فرصة ممكنة، ولم يلتفت إلى
الحظر الدولي بمنع إستنساخ البشر وبالرغم من المخاوف الكبيرة التي
يثيرها هذا النوع من البحوث.

وشجب العلماء مثل هذه التجارب، مؤكدين أن تقنية الاستنساخ لا تحتمل
سوى نسبة نجاح من 3 إلى 5% لدى الحيوانات، وإنها ستؤدي حتما، في
حال تطبيقها لدى البشر، إلى توليد أطفال يعانون من تشوهات كبيرة أو
تخلف عقلي.

ويقول بعض الخبراء المعارضين للإعلان الأخير أن إعلان الشركة عبارة
عن ضجة علمية لا مبرر لها، وإن الشركة قد تسرعت في هذا الإعلان
لإحراز قصب السبق، أو إن الحمى الخرافية التي أصابت وسائل الإعلام
الغربية غير المسؤولة، وعدم وجود مرجعية علمية حتى في أكبرها
انتشاراً، لأن تناقلها لهذا الخبر بأنه الحدث الأول فيه إجحاف
لمراكز علمية كبيرة لا يستبعد إنها أنتجت كائنا بشريا عن طريق
الاستنساخ، ولكنه لم يحن الوقت المناسب للإعلان عنه.

إحقاقا للحق!

وبالرغم من الهجوم العنيف الذي تعرضت له الشركة، فإحقاقا للحق فإن
ما يميز الإعلان الأخير أنه صدر عن مؤسسة علمية ذات سجل معروف على
النطاق العالمي في
أبحاث الاستنساخ واستخدام تقنياته. وأكدت الشركة أن التجربة لا
تهدف إلى خلق كائن بشري، بل إلى تفتيت الجنين للحصول على خلايا
جذعية تستخدم في علاج الأمراض. كما أكدت أنها استعانت بتقنيات
الاستنساخ لإنتاج خلايا يمكن استخدامها كمصدر للخلايا الجذعية Stem
Cells. وأوضح بيان الشركة أن النتائج الأولية للتجربة تمثل تطورا
كبيرا في مجال أبحاث الخلايا الهادفة إلى تطوير أدوية لبعض الأمراض
المستعصية. وبالرغم من توقف نمو الخلايا فإن الباحثين توصلوا
لطريقة جديدة لإنتاج الخلايا الجذعية من أجنة بشرية مستنسخة، عبر
نقل نواة خلية في بويضة منزوعة النواة، الأمر الذي يشكل خطوة مهمة
جدا في عملية الاستنساخ العلاجي.

وإضافة إلى الاستنساخ لجأ الباحثون أيضا إلى تقنية “التشكل البكري”
التي تسمح بنمو جنين انطلاقا من بويضة عذراء، بدون تلقيح ويؤكدون
أنهم نجحوا في إنتاج كيس خلايا أصلية (بلاستوسيست) معدلة وراثيا.
ويشكل الكيس الأصلي جنينا بين 5 و10 أيام من العمر، وهذه هي المرة
الأولى التي ينجح فيها العلماء في مثل هذا الأمر، ولهذا اعتبر نائب
رئيس الشركة الأمريكية “خوسي سينللي” الذي أشرف على البحث أن
نتائجهم الأولية تزيد من أهمية النظرية القائلة بإمكان إعادة برمجة
الخلايا البشرية.

فوائد ومخاوف استنساخ الأجنة

طريقة العلاج بالخلايا الجذعية

ألقى الإعلان الأخير مزيدا من الضوء على الاستنساخ العلاجي والعلاج
الخلوي باستخدام الخلايا الجذعية التي وصفت بأنها ثورة قادمة في
عالم الطب، وأصبحت أشبه بمستودع لاستنساخ أعضاء بشرية عن طريق
الاستعانة بخلايا هذه المرحلة المبكرة للجنين، في حل مشكلة النقص
في الأعضاء البشرية المتاحة للزرع في أجسام تحتاجها.

و لكن الحديث عن استنساخ الأعضاء البشرية، من أجنة في أولي مراحل
تكوينها، تثير في الأذهان الشبح المخيف، المتمثل في امتداد هذا
الأسلوب، إلى استنساخ البشر واختراق الحرم “التابو” الإنساني، رغم
إجماع المراكز الطبية والمؤسسات الدينية والتشريعية، على تحريم
الاستنساخ البشري.

ومما لا شك فيه أن المستقبل يحمل في طياته استعمالات واسعة للخلايا
الجذعية المستنسخة، وتعرف هذه الخلايا بأنها “خلايا صديقة” لجهاز
المناعة، وليست أجساما غربية، وهو ما يبعد فرضيات رفض الجسد لها.
ويتوقع العلماء أن توفر هذه الخلايا البكر الساحرة علاجات لمجموعة
كبيرة من الأمراض التي تصيب ملايين الأشخاص حول العالم‏.‏

والخلايا الجذعية هي خلايا الجسم الأولية التي تنشأ منها مختلف
أنواع الخلايا، وهي الخلايا التي لديها قابلية التطور لتكوين أنسجة
الجسم المختلفة، ويمكنها أن تتحول إلى أي نوع من الخلايا المتخصصة
Specialized Cell.

ويمكن أن تستحث هذه الخلايا التي تم عزلها للمرة الأولى لدى
الإنسان عام 1998، لتتطور وتتحول إلى خلايا متخصصة (الدم، الكبد،
العضل، وغيرها) تتيح إمكانية إيجاد مصدر متجدد للخلايا لتحل محل
الخلايا والأنسجة التالفة من أجل معالجة أمراض وحالات إعاقة تتضمن
مرضى باركنسون (الشلل الرعاش)، والزهايمر، وإصابات الحبل الشوكي،
والصدمات، والحروق، وأمراض القلب، والتهاب المفاصل، والشلل الرباعي
(روماتويد) الذي يصيب العظام.

الخلايا الجذعية و تمايزها إلى مختلف الأنسجة المتخصصة

كما يمكن زراعة هذه الخلايا لتكون جميع الأنسجة الخلوية التي تتركب
منها الأعضاء البشرية، وهو ما يفتح الطريق أمام الطب لمعالجة
المصابين بالأمراض العصبية أو القلبية أو الكبدية أو داء السكري عن
طريق زرع الخلايا.

واعتبر المراقبون أن إعلان الرئيس الأمريكي “بوش” بالموافقة على
التمويل الفيدرالي المحدود للأبحاث الخاصة بالخلايا الجذعية
الجنينية، يعتبر واحدا من أهم قراراته خلال فترة رئاسته. وبالرغم
من معارضة بعض العلماء لهذا القرار، فإن العديد من المختبرات
العلمية في الشركات الخاصة وفي الجامعات حول العالم تتبارى في
تطوير التقنيات في هذا المجال، وتمكن العلماء من الحصول على
الخلايا الجذعية من الأجنة البشرية المنتجة لغرض الإخصاب الصناعي،
وأمكن الحصول على هذه الخلايا من الأجنة المجهضة.

كما أمكن الحصول على هذه الخلايا باستخدام تقنيات الإستنساخ، وأعلن
مؤخرا عن نجاح العلماء في استخلاص الخلايا الجذعية من البالغين،
ومن دهون الجسم، ومن جثث البشر، كما تمكن العلماء من تحوير خلايا
الجسم المتخصصة إلي خلايا جذعية أيضا.

وردا على معارضي الاستنساخ لأغراض علاجية أعلن باحثو شركة “ACT” أن
الخلايا الجذعية الموجودة حاليا في المختبرات عبر أنحاء العالم “لا
فائدة كبيرة لها لمعالجة الأمراض عن طريق الزرع؛ لأن جسم المريض
سيرفضها”. وإضافة إلى ذلك أعلن “ميكايل ويست” المدير العام للشركة
في حديث لشبكة التلفزيون الأميركية “إن بي سي”، أن ما ننتجه لا
يعتبر علميا وبيولوجيا كائنات. فهي مجرد حياة لخلايا وليست حياة
بشرية.

وتلعب تقنيات استخلاص واستنساخ وزراعة الخلايا الجذعية دورا مهما
للغاية في تطور العلوم الطبية، وتساعد في تقديم أساليب علاجية
جديدة للعديد من الأمراض، وكذلك تساعد على فهم الخطوات الدقيقة
التفصيلية المعقدة التي تحدث خلال نمو وتخليق الإنسان، مثل التعرف
على العوامل التي تهيمن على عملية اتخاذ القرارات في الخلية، والتي
تؤدي إلى تخصص الخلية. ويمكن استخدام الخلايا الجذعية في أبحاث
الدواء، كما يمكن أن تستخدم هذه الخلايا في تخليق خلايا وأنسجة
متنوعة لاستخدامها في العلاج الخليوي Cell Therapy، والاستنساخ
العلاجي للمرضى الذين يحتاجون لزرع أعضاء، ولا تتوفر لهم الأعضاء
المناسبة.

ويحلم الجراحون العاملون في حقل زراعة الأعضاء بالحصول على كمية
غير محدودة من النسج والأعضاء الملائمة لمرضاهم دون وجوب البحث عن
متبرع. ويمكن نقل الخلايا الأولية للبالغين Adult Stem Cells إلى
نفس المريض بعد وضعها في ظروف معينة تتجه في اتجاه تكوين النسيج
المطلوب، وبذلك نتلافى رفض الأعضاء. وعندما تستحث هذه الخلايا توفر
إمكانية تعويض الخلايا المريضة أو التالفة حينما تنقل إلى أي عضو
في الجسم البشري، وحاليا تستخدم تقنيات الاستنساخ العلاجي وفصل
وزراعة الخلايا الجذعية المستخلصة من الأجنة البشرية ومن البالغين
في تطوير علاجات لما يلي:

– العقم التام.
– الفشل الكلوي (عن طريق زراعة الخلايا الكلوية).
– فقدان البصر (تحل الخلايا الجذعية محل الخلايا المصابة في
القرنية).
– داء السكري (عن طريق زراعة الخلايا المفرزة للأنسولين).
– الخرف، مثل: داء الزيهايمر، وداء باركنسون (عن طريق تجديد
الخلايا العصبية التالفة).
– الأذيات القلبية، واحتشاء عضلة القلب (عن طريق زراعة خلايا عضلية
وأوعية دموية).
– الشيخوخة.
– أمراض السرطان، مثل: اللوكيميا
– حروق وتشوهات الجلد.

ويبدو أن الإمكانيات الهائلة لاستغلال تقنيات الاستنساخ العلاجي
والخلايا الجذعية في معالجة أمراض مستعصية أو تجديد خلايا أعضاء
مفقودة أو متدهورة ترجح كفة مواصلة الأبحاث في هذا المجال الخصب
الذي سيفتح آفاقا علاجية واسعة، وقد يؤدي النجاح في استغلال
الخلايا الجذعية للبالغين الذي تم اكتشافه مؤخرا إلى هدوء العاصفة
التي تواجه هذه الأبحاث.

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pinterest
Share on reddit
Share on vk
Share on tumblr
Share on mix
Share on pocket
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on email

More Interesting Posts

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *